عبد الملك الجويني
101
الشامل في أصول الدين
دل اعتوار المتعاقبات على حدث الجواهر ، على ما سبق بسط القول فيه . فإن أنكروا مما ألزمناهم في الطبائع شيئا ، كان أقرب الطريق أن يسألوا عن حدث الجواهر والدليل عليه . فكل ما يبدونه في حدث الجواهر من تعاقب الحوادث ، فيلزمهم في الطبائع . فإن أنكروا حدث الجواهر ، فقد خرجوا عن قول الطبائعيين ، والتحقوا بمذاهب سائر الدهرية . ومما نستدل به عليهم أن نقول : إذا أثبتم الطبائع فلا تخلون : إما أن تثبتوا لها محال ، أو لا تثبتوها . فإن أثبتوا لها محال ، زادوا على الاستقصات الأربع ، وإن لم يثبتوا لها محال - وهي ليست بمتحيزة - فقد ثبتت كلها لا في محال . وإذا ثبت شيئان لا في محل ، فلا معنى لامتزاجهما ، فإنه إنما يمتزج كل شيئين متباينين يختص كل واحد منهما بجهة إن كان متحيزا ، أو محل إن كان ذا محل ، فإذا لم يسبق الامتزاج اختصاص بحيزين ولا محلين فلا محصول للامتزاج ، وهذا واضح لمن تدبره . ومن أحسن ما نعتصم به أن نقول : إذا امتزجت الطبائع ، فلا تخلو إما أن تثبت عند امتزاجها بلا محل أو تثبت مع المحل ، فإن ثبتت عند امتزاجها بلا محل ، ثم ثبت المحل بعد الامتزاج بوقت واحد ، فهذا باطل . فإنه لو جاز ثبوت الطبائع ممتزجة في غير محل في حالة واحدة ، لجاز تقدير ذلك في حالتين . وإن زعموا أن المحل الذي تختص الطبائع به يقارن الامتزاج ، فقد امتزجت الطبائع إذا في المحل ، فإذا امتزجت في المحل كيف تقتضيه ؟ وهلا كان المحل باقتضاء الامتزاج أولى من الامتزاج باقتضاء المحل ؟ فإنهما مقترنان ، ليس أحدهما أولى بالاقتضاء من الثاني . ثم نقول لهم : إذا امتزجت الطبائع ، فلا تخلو إما أن تمتزج لأنفسها ، أو تمتزج لمعنى يقتضي امتزاجها ، أو تمتزج لا لأنفسها ولا لمعنى . فإن زعموا أنها امتزجت لأنفسها ، لزمهم أن تكون ممتزجة في الأزل لثبوت أنفسها ، فإن صفة النفس تلزم النفس ، ثم يلزم أن تتباين لأنفسها أيضا ، ويفضي مفاد هذا الكلام إلى تثبيتها مجتمعة متباينة لأنفسها . فإن زعموا أنها امتزجت لمعنى ، لم يخل ذلك المعنى إما أن يوصف بالعدم أو بالوجود . فإن وصف بالعدم كان محالا . فإن العدم نفي محض من كل وجه ، ولا فرق بين نفي المقتضى وبين إثبات مقتضى منفي معدوم . على أنه لو جاز تقدير مقتضى معدوم ، لجاز أن يقتضي العالم عدم ، حتى لا تمس الحاجة إلى إثبات الوجود للطبائع الأربع .